ابن تيميه

15

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فصل [ الكلام على الكتاب المردود عليه ] قد أرسل إليّ بعض أصحابنا جزءا أخبر أنه صنفه بعض القضاة قد تكلم في المسألة التي انتشر الكلام فيها ؛ وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، كالسفر إلى زيارة القبور هل هو محرم أو مباح أو مستحب ؟ وهي المسألة التي أجبت فيها من مدّة بضع عشرة سنة بالقاهرة ، فأظهرها بعض الناس في هذا الوقت ظنا أن الذي فيها خلاف الإجماع ، وأن السفر لمجرّد قبور الأنبياء والصالحين هو مثل السفر المستحب بلا نزاع ، وهو السفر إلى مسجد نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم المتضمن لما شرعه اللّه من السفر إلى مسجده والصلاة فيه والسلام عليه ، ومحبته وتعظيمه ، وغير ذلك من حقوقه صلى اللّه عليه وسلّم في مسجده المؤسس على التقوى ، المجاور لقبره صلى اللّه عليه وسلّم ، وظنوا أن السفر ، إلى زيارة قبور جميع الأنبياء والصالحين مستحبّ مجمع على استحبابه مثل هذا السفر المشروع بالنصّ وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، سواء سافر مع حج البيت أو بدون حجّ البيت ، فإن هذا السفر المشروع إلى مدينته بالنص والإجماع لا يختص بوقت الحج ، فإن المسلمين على عهد خلفائه الراشدين كانوا يحجّون ويرجعون إلى أوطانهم ، ثم ينشئ السفر إلى مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم من ينشئه ، لأنه عبادة مستقلة بنفسها كالسفر إلى بيت المقدس ، والسفر إلى مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم أفضل من السفر إلى المسجد الأقصى بالنص والإجماع . فظن من ظن أن السفر المشروع هو لمجرّد القبر لا لأجل المسجد ، وأن المسجد يدخل ضمنا وتبعا في السفر ، وأن قبور سائر الأنبياء كذلك ، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة ، ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة ، حتى صرحوا بأنه أفضل من الحجّ ، وأن الدّعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى ، وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر اللّه ورسوله بالعبادة فيها ، والدعاء والذكر فيها ، وظنّ من ظنّ أن هذا مجمع عليه ، وأن من قال السفر لغير المساجد الثلاثة سواء كان لقبر نبي أو غير نبي ، منهي عنه أو أنه مباح ليس بمستحب فقد خالف الإجماع ، وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد من أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان